ملفات حارقة أمام فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المعينة اليوم ]]>
ملفات حارقة أمام فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المعينة اليوم
العثماني العقال: دكتوراه في السياسات العمومية من جامعة عبد المالك السعدي
خبير في التنمية البشرية
البريد الاليكتروني otmani.akel@gmail.com
بعد
تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية اليوم الثلاثاء 29 شتنبر
2026 من طرف الملك محمد السادس وتكليفها
بتشكيل الحكومة الجديدة، تدخل التجربة الحكومية المقبلة مرحلة دقيقة تتقاطع فيها
رهانات سياسية ومؤسساتية وتنموية كبرى. فإلى جانب تشكيل أغلبية قادرة على ضمان
الانسجام والفعالية، ستجد رئيسة الحكومة المعينة نفسها أمام ملفات حارقة
واستحقاقات متعددة، تفرض إعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الالتقائية بين السياسات
والبرامج العمومية، وتحويل الالتزامات الوطنية إلى نتائج ملموسة. وبين متطلبات
المرحلة المقبلة والاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المغرب، تبرز مجموعة من الملفات
التي ستختبر قدرة الحكومة الجديدة على الفعل والإنجاز.
مشاورات
تشكيل الأغلبية الحكومية:
تعد
مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية أولى المحطات الحاسمة أمام رئيسة الحكومة المعينة،
إذ يتعين عليها بناء تحالف حكومي منسجم وقادر على تأمين الدعم البرلماني، وتحديد
ملامح التركيبة الحكومية المقبلة بما يضمن وضوح المسؤوليات والقدرة على تنفيذ
الأولويات والالتزامات المعلنة.
وفي
هذا السياق، تدخل فاطمة الزهراء المنصوري مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية في ظل معطيات
سياسية محددة، أبرزها إعلان حزبي العدالة والتنمية، الحاصل على 54 مقعدا،
وتحالف اليسار، الحاصل على 8 مقاعد، عدم المشاركة في الحكومة المقبلة، إلى جانب ما
طبع العلاقة بين قيادات حزبي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار من توترات
خلال الأشهر الأخيرة من الولاية المنتهية. كما تطرح حصيلة التجربة الحكومية الحالية،
وما رافقها من أزمات واحتجاجات اجتماعية متكررة، تحديا إضافيا أمام رئيسة الحكومة
المعينة في بناء أغلبية متماسكة وقادرة على مواكبة استحقاقات المرحلة المقبلة.
وستكون المنصوري
مطالبة، في هذه المرحلة، بتشكيل تحالف حكومي يحظى بدعم أغلبية برلمانية لا تقل عن
198 نائبا، بما يضمن للحكومة قاعدة برلمانية كافية لممارسة مهامها وتمرير برامجها
والتزاماتها التشريعية.
إعادة بناء الهندسة
الحكومية وضبط مجالات التدخل
تفرض
المرحلة المقبلة على الحكومة الجديدة إعادة النظر في هندستها الداخلية وتوزيع الاختصاصات
بين مختلف القطاعات، بما يحد من تداخل مجالات التدخل ويعزز وضوح المسؤوليات
والانسجام في العمل الحكومي. ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة في ظل تعدد الاستحقاقات
الوطنية والحاجة إلى جهاز تنفيذي أكثر قدرة على التنسيق وتحقيق الالتقائية في
تنفيذ السياسات والبرامج العمومية.
وفي
هذا السياق، ستكون الفرصة مواتية لإعادة وزارة الشباب والرياضية الى الهندسة
الحكومية المقبلة، وخصوصا وأن تجربة ادماج قطاعات هذه الوزارة ضمن قطاعات اخرى لم
يكن قرارا صائبا، كما أننا مقبلون على تنظيم تظاهرة كونية تتمثل في نهائيات كأس
العالم، مما يفرض اعادة هذه الوزارة الى التشكيلة الحكومية المقبلة، لا سيما في ظل
النتائج الباهرة التي تحققها مجموعة من الأنواع الرياضية في مقدمتها كرة القدم.
كما
ستفرض هذه الهندسة أيضا إعادة النظر في وضعية بعض كتابات الدولة، وإحداث أخرى عند
الاقتضاء، بما ينسجم مع الأولويات الجديدة والاستحقاقات الوطنية الكبرى خلال
الولاية المقبلة وما بعدها.
الرهانات
التنموية الكبرى:
ولا
تنحصر التحديات المطروحة أمام الحكومة المقبلة في هندسة بنيتها الداخلية، وإنما
تمتد إلى حجم الرهانات التنموية والاقتصادية والاجتماعية التي ستكون مطالبة
بمواجهتها. وفي مقدمتها إشكالية تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتسريع تنزيل
برامج التنمية الترابية المندمجة، ومواصلة تنفيذ النموذج التنموي الوطني في أفق
2035، والوفاء بالالتزامات المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة في أفق 2030، فضلا
عن رفع مختلف التحديات المرتبطة بتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، وما يفرضه ذلك من
متطلبات على مستوى البنيات التحتية الأساسية المتعلقة بهذه التظاهرة، سواء في
جوانبها الرياضية او اللوجستية او الخدماتية.
وعلى
هذا الأساس، سيقاس نجاح التجربة الحكومية المقبلة بمدى قدرتها على الانتقال من
تعدد البرامج والمتدخلين إلى رؤية حكومية أكثر تكاملا ووضوحا في تحديد الأولويات
والمسؤوليات والنتائج المنتظرة، مع الاستناد إلى كفاءات قادرة على تدبير الملفات
الكبرى، وربط السياسات العمومية بأهداف ومؤشرات قابلة للقياس والتتبع والتقييم،
بما يضمن فعالية أكبر في التنفيذ ووضوحا في تحديد المسؤوليات والنتائج.
وفي
ظل هذه الرهانات المتعددة، وبالنظر إلى المعطيات الأولية التي بدأت ترسم ملامح
المعارضة المقبلة، فإن الطريق أمام رئيسة الحكومة المعينة اليوم لن يكون مفروشا
بالورود؛ إذ ستجد نفسها أمام سياق سياسي ومؤسساتي يتطلب قدرة عالية على تدبير
الاختلاف داخل الحزب وضمان تماسك الأغلبية، وتحقيق الانسجام داخل الجهاز التنفيذي،
مع تحويل الأولويات الوطنية إلى سياسات وبرامج ذات أثر ملموس على الحياة اليومية للمواطنين،
بما يجعل النجاح في تدبير الولاية الحكومية المقبلة مرتبطا ليس فقط بقدرة الحكومة
على اتخاذ القرار، وإنما كذلك بقدرتها على ضمان استمرارية السياسات العمومية
وتكاملها وفعالية تنفيذها وتجاوز نواقص التجربة الحكومية المنقضية.
وتزداد
ضغوط إنجاح هذه التجربة الحكومية بالنظر إلى رمزية تولي فاطمة الزهراء المنصوري
رئاسة الحكومة باعتبارها أول امرأة عربية منتخبة تتولى هذا المنصب، في وقت تتزامن
فيه ولايتها مع أوراش وطنية كبرى يراهن المغرب من خلالها على تحقيق تحولات ملموسة
في مختلف المجالات. وفي مقدمة هذه الأوراش، يبرز استكمال تنزيل ورش الحماية
الاجتماعية، والارتقاء بأداء القطاعات الاجتماعية الأساسية، ولا سيما التشغيل
والتعليم والصحة، إلى جانب مواصلة تعزيز دور القطاع الصناعي في دعم النمو
الاقتصادي وخلق فرص الشغل ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
رهان
إنجاح التجربة الحكومية الجديدة وتحديات المعارضة
تدخل
الحكومة الجديدة مرحلة دقيقة تتقاطع فيها رهانات الإنجاز مع تحديات الممارسة
السياسية والبرلمانية، في ظل تعدد الملفات والاستحقاقات التي تنتظرها، مقابل
بروز معارضة مطالبة بممارسة أدوارها الرقابية والتشريعية بكفاءة. وبين متطلبات
تنفيذ البرنامج الحكومي والحفاظ على تماسك الأغلبية، ستظل قدرة الحكومة على تدبير
الاختلاف وتحقيق نتائج ملموسة من أبرز محددات المرحلة المقبلة، حيث ستجد الأغلبية
الحكومية المقبلة أمامها معارضة شرسة من طرف حزب العدالة والتنمية بتجربته
الحكومية وخبرته في الملفات سواء في الأغلبية أو المعارضة.
إن
مجموع هذه المحاور والتحديات والرهانات التي تفرضها المرحلة المقبلة، يستدعي من
رئيسة الحكومة المعينة إدارة مشاورات داخلية موسعة ودقيقة، تفضي إلى تشكيل فريق
حكومي قادر على مواكبة حجم الاستحقاقات المطروحة. كما يفرض
اختيار بروفايلات تجمع بين الكفاءة العلمية والخبرة السياسية والإدارية والقدرة على
تدبير الملفات المعقدة والحساسة، بما يضمن سرعة الانخراط في العمل الحكومي والقدرة
على اتخاذ القرار منذ البداية. فطبيعة المرحلة وضيق هامش الزمن، إلى جانب الزخم
السياسي والاستحقاقات الوطنية الكبرى، لا يتركان مجالا واسعا لتجارب تحتاج إلى وقت
طويل للتأقلم مع المسؤوليات الحكومية واستيعاب الملفات، وإنما يفرضان فريقا قادرا
على الانخراط الفوري في التنفيذ وتحمل مسؤولية تدبير المرحلة المقبلة.

التعليقات على الموضوع