Header Ads

هل تتأثر العلاقات المغربية الاسبانية بأحداث سبتة ومليلية؟

لا شك أن العلاقات المغربية الإسبانية تعد من أكثر العلاقات الثنائية تعقيدا وحيوية في الفضاء المتوسطي، بالنظر إلى تشابك أبعادها التاريخية والجغرافية والسياسية والاقتصادية والأمنية، فضلا ان إشكالية احتلال سبتة ومليلة والجزر الجعفرية وقضايا خلافية أخرى تتمثل في ترسيم الحدود البحرية ومخلفات المرحلة الاستعمارية.

العثماني العاقل: حاصل على الدكتوراه في السياسات العمومية
خبير في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني
أستاذ زائر بمجموعة من المؤسسات والمعاهد

ورغم ما تعرفه هذه العلاقات من توترات دورية ترتبط بملفات سياسية، اقتصادية واجتماعية مختلفة، فإن قضية الهجرة غير النظامية تعد واحدة من المواضيع الشائكة ومحرك كل المواضيع الراكدة.

وتثير الأحداث التي عرفتها مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين من قبل اسبانيا، تساؤلات جوهرية حول مدى تأثير هذه الأحداث في مستقبل العلاقات بين البلدين: هل تمثل هذه الأحداث منعطفا يعيد تشكيل طبيعة العلاقة الثنائية، أم أنها مجرد أزمات ظرفية سرعان ما يتم تجاوزها في ظل تشابك المصالح الاستراتيجية؟

 وتنبع أهمية هذا التساؤل من أن العلاقات المغربية الإسبانية لم تعد محكومة فقط بالاعتبارات السيادية والتاريخية، بل أصبحت أيضا رهينة لمعادلات الأمن الإقليمي، والتعاون الاقتصادي، وإدارة قضايا الهجرة والطاقة، بما يجعلها أقرب إلى نموذج للعلاقات التي تتجاوز منطق الأزمات نحو منطق الشراكة الاستراتيجية.

كما أن المغرب يعد من أكثر الدول تأثرا بظاهرة الهجرة غير النظامية وتداعياتها، بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي الذي يجعله فضاء للعبور والاستقرار في آن واحد، حيث يستقبل سنويا آلاف المهاجرين، ويتعامل مع هذه الظاهرة وفق مقاربة مسؤولة ومتوازنة، تجمع بين الالتزام بالواجبات الإنسانية، واحترام المواثيق الدولية، وضمان أمن حدوده واستقرار محيطه الإقليمي.
وللاطلاع بهذه الأدوار، يخصص المغرب موارد مالية وبشرية مهمة من ميزانيته الوطنية لتدبير مختلف الجوانب المرتبطة بالهجرة، بما في ذلك المراقبة الحدودية، والإيواء، والإدماج، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين وما يرتبط بهذه الظواهر من مخاطر أخرى قد تصل أحيانا الى "الاره...اب" العابر للحدود.
وفي هذا السياق، تدرك دول الاتحاد الأوروبي جيدا حجم الأدوار التي يضطلع بها المغرب في هذا المجال، باعتباره شريكا استراتيجيا في تدبير إحدى أكثر القضايا تعقيدا على ضفتي البحر الأبيض المتوسط. ومن ثم، فإن تعزيز هذا التعاون يقتضي انتقال الشراكة إلى مستوى أكثر توازنا، من خلال توسيع آليات الدعم المالي والتقني واللوجستي، بما يمكن المغرب من مواصلة جهوده والارتقاء بفعالية سياساته في مواجهة تحديات الهجرة، باعتبارها مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود أي دولة بمفردها.

أما انتظار وقوع أحداث أو أزمات عابرة، ثم اتخاذها منطلقا لإطلاق مواقف متشددة أو الاصطفاف إلى جانب طرف أوروبي في مواجهة بلدان من خارج هذه المجموعة، فلا يسهم في إيجاد حلول مستدامة لإشكالية الهجرة، ولا يخدم المصالح المشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي. بل إن مثل هذه المقاربات الظرفية من شأنها أن تعمق فجوة الثقة بين الشركاء، وتزيد من تعقيد هذا الملف الحساس، في وقت تقتضي فيه تحديات الهجرة اعتماد رؤية استراتيجية قائمة على المسؤولية المشتركة، والحوار البناء، والتعاون المتوازن، بعيدا عن ردود الفعل الانفعالية أو الحسابات السياسية الضيقة.

وتجدر الإشارة إلى أن المواقف الرسمية للحكومة الإسبانية خلال هذه الأزمة اتسمت بقدر أكبر من التوازن والمسؤولية مقارنة ببعض الخطابات الإعلامية والمواقف الصادرة عن تيارات اليمين الإسباني واليمين الأوروبي عموما، والتي اتسمت في كثير من الأحيان بالتصعيد والمزايدات السياسية. ويؤكد ذلك أن أزمة سبتة المحتلة تظل ظرفية وعابرة، ولا ينتظر أن تترك أثرا سلبيا دائما على مسار العلاقات المغربية الإسبانية، بالنظر إلى متانة المصالح الاستراتيجية التي تجمع البلدين وتشابكها، لا سيما في ظل الانكباب على دراسة مجموعة من المشاريع الكبرى بين البلدين أبرزها مشروع الربط البري ومشروع الربط الكهربائي ناهيك عن مشاريع اخرى ذات بعد استراتيجي.

وقد تعزز هذا المسار بشكل أكبر عقب الموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية في إطار السيادة المغربية، وهو ما أسهم وسيسهم في إرساء علاقة مبنية على الثقة والشراكة الاستراتيجية بين الرباط ومدريد.

كما يدرك البلدان معا أن ثمة أطرافا إقليميا تترقب مستويات التصعيد وربما تستثمر فيه بعدما فشلت كل مساعها السابقة، لاعتبارات جيوسياسية واقتصادية واجتماعية ضاربة في القدم، حيث تعد الجالية المغربي في اسبانيا الأولى من بين الجاليات المتواجدة بهذا البلد.

واعتبارا لهذه المعطيات، فإن الأحداث التي شهدتها مدينتا سبتة ومليلية المحتلتان، ولا سيما مدينة سبتة، قد تشكل مدخلا مهما لتسريع وتيرة معالجة عدد من الملفات والقضايا العالقة بين البلدين، من خلال فتح قنوات حوار أكثر فاعلية والبحث عن صيغ توافقية تضمن تسوية هذه القضايا بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين ويعزز أسس الشراكة الاستراتيجية بينهما، ويكتسب هذا المعطى أهمية خاصة في ظل اقتراب المغرب من الاستحقاقات التشريعية المرتقبة أواخر شهر شتنبر 2026، والتي ستفضي إلى تشكيل حكومة جديدة ستكون مطالبة بالتعاطي مع ملفات استراتيجية ذات أولوية على المستويين الداخلي والخارجي، حيث يأتي في مقدمة هذه الملفات مسار العلاقات المغربية الإسبانية، الذي يقتضي الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، والبناء عليها بما يعزز الشراكة الثنائية وفق مقاربة تقوم على تحقيق المصالح المتبادلة وتكريس منطق «رابح–رابح».

وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل بيئة دولية وإقليمية تتسم بتنامي مظاهر اللايقين، نتيجة استمرار بؤر التوتر والصراعات المسلحة، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، إلى جانب ما يشهده الاقتصاد العالمي من اضطرابات متكررة، وما تفرضه الأزمات المالية والكوارث الطبيعية من تحديات متزايدة على الدول وقدرتها على تحقيق الاستقرار والتنمية.

]]>

ليست هناك تعليقات