القوة الناعمة وصراع السرديات.......الإعلاميون المغاربة بالمؤسسات الاعلامية الدولية نموذجا ]]>
القوة الناعمة وصراع السرديات.......الإعلاميون المغاربة بالمؤسسات الاعلامية الدولية نموذجا
في
عالم تحولت فيه التكنولوجيا والمنصات الإلكترونية إلى فضاء مفتوح عابر للحدود، لم
تعد القوة تختزل في الجيوش والاقتصاد وحدهما، بل أضحت تتجلى كذلك في القدرة على
التأثير في العقول، وصياغة التصورات، وتوجيه الرأي العام بوسائل أكثر تأثيرا وأقل
جهدا، حيث أن التنافس بين الدول لم يعد يدور فقط حول موازين الردع الصلبة، بل
انتقل أيضا إلى مجال الرموز والصور والسرديات، إذ تبنى الشرعية وتعاد صياغة
المكانة وتدار الصراعات بأدوات ناعمة لا تقل فاعلية عن الأدوات التقليدية، حيث
أضحى الإعلام الدولي، وعلى رأسه مؤسسات عابرة للحدود مثل قناة الجزيرة، فضاء حيويا
لتقاطع المصالح وتنافس السرديات بين الدول.
الصحفي المغربي بقناة الجزيرة: عبد الرحيم فقراء
من
هذا المنطلق، تبرز قضية الصحافيين المغاربة العاملين في قناة الجزيرة كنموذج دال
على تداخل المهني بالسياسي، والوطني بالإقليمي، في بيئة إعلامية تحكمها اعتبارات
التأثير الاستراتيجي بقدر ما تحكمها المعايير المهنية.
فهل يتعلق الأمر بتحولات داخلية طبيعية في مؤسسة
إعلامية دولية كقناة الجزيرة؟
أم
أننا أمام تجل من تجليات صراع السرديات في منطقة تعرف توترات جيوسياسية متصاعدة؟
وكيف
يمكن فهم موقع الكفاءات الإعلامية الوطنية داخل مؤسسات إعلامية تخضع، بشكل أو
بآخر، لحسابات دولها الراعية؟
انطلاقا
من ذلك، يطرح هذا المقال جملة من الأسئلة المركزية:
- إلى أي حد يشكل الإعلام الدولي أداة من
أدوات القوة الناعمة في إدارة التنافس الإقليمي والدولي؟
- هل يمكن اعتبار ما حدث بقناة الجزيرة خلال
السنوات الأخيرة نموذجا لصراع سرديات يتجاوز الأفراد إلى رهانات الصورة
والتموقع؟
- ما موقع الكفاءات الصحافية الوطنية داخل
منظومات إعلامية عابرة للحدود؟
- وكيف يمكن للدولة أن تحصن “أمنها السردي”
في ظل استحقاقات إقليمية ودولية حاسمة؟
ويفترض
هذا المقال أن:
1. الإعلام الدولي لم
يعد فاعلا محايدا بالكامل، بل أصبح جزءا من منظومات النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات
الرمزية.
2. الكفاءات الوطنية
داخل هذه المؤسسات تتحول أحيانا إلى عناصر ضمن معادلات أوسع من مجرد الأداء المهني.
3. حماية الرأسمال
البشري الإعلامي الوطني باتت خيارا استراتيجيا مرتبطا بالأمن الرمزي والسيادي
للدولة.
وعليه،
فإن دراسة حالة الصحافيين المغاربة بقناة الجزيرة تتيح مقاربة أعمق لعلاقة القوة
الناعمة بصراع السرديات، وتفتح نقاشا أوسع حول موقع الإعلام في هندسة التوازنات
الإقليمية وإعادة تشكيل النفوذ في المجال المغاربي والدولي.
ومعلوم
أن العلاقات الدولية، تبقى فيها المصالح هي المحرك الأساسي للسياسات، لذلك من
الحكمة التعامل بوعي وحذر مع الدول ذات النفوذ والتأثير، مثل قطر وفرنسا، مع إدراك
أن تحالفاتها وخياراتها الإعلامية لا تنفصل عن حساباتها الاستراتيجية، حيث يبرز
لاعب ثالث وهو الجارة الشرقية، شغله الشاغل معاكسة كل ما هو مغربي.
وفي
هذا السياق، لوحظ خلال الأيام القليلة الماضية تصاعد النقاش من قبل الاعلام
الجزائري حول اعفاء أسماء وازنة من قناة الجزيرة، من بينهم مقدمون ومراسلون
وتقنيون، وهي خطوة أثارت نقاشا واسعا في الأوساط الإعلامية، فمهما اختلفت
التفسيرات، فإن الثابت هو أن الإعلام لم يعد فضاء معزولا عن التوازنات السياسية،
بل أصبح في كثير من الأحيان امتدادا ناعما للصراعات الإقليمية وحسابات النفوذ، حيث
تحاول كل جهة اقتناص الفرص وجعلها في خدمة سرديتها.
كما
أن ما تم تداوله في بعض المنابر الإعلامية في الجزائر بخصوص ما وصف بطرد صحافيين
مغاربة، ومن بينهم أسماء مهنية معروفة مثل عبد الرحيم فقراء وعبد الصمد ناصر، فتح
الباب أمام قراءات متعددة، بعضها يذهب إلى وجود استهداف ممنهج لكل ما هو مغربي
داخل مؤسسات إعلامية دولية، سواء في قناة الجزيرة أو في فرانس 24.
والبعض
الأخر يميل الى صعوبة الجزم بالخلفيات الحقيقية لهذه الموجة في ظل غياب معطيات
رسمية واضحة حول هذه الفرضية، غير أن المؤكد هو أن الكفاءات المغربية التي صنعت
حضورها بمهنيتها واعتزازها بهويتها الوطنية تستحق الدعم والمساندة بدل تركها عرضة
للتجاذبات السياسية أو لحمالات التشهير من قبل جوقة من المواقع والجرائد والقنوات
التلفزيونية التي لا تربطها بالإعلام سوى أدوات النشر !!
إن
المرحلة تفرض التفكير بعمق في كيفية حماية الرأسمال البشري الإعلامي المغربي الغني بروافده في مجالات
وميادين مختلفة، بل ولم لا إطلاق
مشروع إعلامي وطني قوي برؤية دولية، مؤسسة احترافية شبيهة بتجربة الجزيرة، العربية،
وقنوات عربية أخرى داع صيتها على المستويين العربي والعالمي، تستثمر في الكفاءات
المغربية داخل الوطن وخارجه، وتوفر لها فضاء مهنيا يعكس الرواية المغربية بثقة
واقتدار، بدل أن تظل الطاقات موزعة بين مؤسسات قد تتغير أولوياتها بتغير المصالح.
ان
الدفاع عن الكفاءات الوطنية ليس مجرد تضامن مع أبناء وبنات البلد، بل هو جزء من
معركة الصورة والتموقع في عالم تتداخل فيه السياسة بالإعلام، وتدار فيه الصراعات
بأدوات ناعمة لا تقل تأثيرا عن الأدوات التقليدية.
كما أن المغرب مقبل على استحقاقات
ومحطات إقليمية ودولية حاسمة، سواء في ارتباطها بالتزاماته الدولية أو بأولوياته
الوطنية الكبرى. وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، تصبح معركة الصورة والرواية لا تقل
أهمية عن أي معركة دبلوماسية أو اقتصادية، فالدول لا تقاس فقط بقوة مواقفها، بل
أيضا بقدرتها على إيصال سرديتها والدفاع عن مصالحها في الفضاء الإعلامي الدولي.
من
هنا تبرز أهمية تحصين الجبهة الإعلامية الوطنية، ودعم الكفاءات المغربية داخل
المؤسسات الدولية وخارجها، لأن المرحلة المقبلة تتطلب صوتا مهنيا قويا، قادرا على
مواكبة التحولات وشرح المواقف المغربية بعمق واتزان، خصوصا وأنه في السياسة ليس
هناك صداقة دائمة ولا عداوة دائمة، وأنها تظل مفتوحة على كل الاحتمالات، وأن
المصالح المشتركة وقوة السردية وحدها الكفيلة بضمان توازنات العلاقات بين الدول
والرغبة في تطويرها.

التعليقات على الموضوع