Header Ads

قراءة تحليلية في رهانات القدرة الشرائية والإدماج الاجتماعي والتشغيل في البرنامج الانتخابي لحزب الاصالة والمعاصرة لانتخابات 23 شتنبر 2026 ]]>

 قراءة تحليلية في رهانات القدرة الشرائية والإدماج الاجتماعي والتشغيل في البرنامج الانتخابي لحزب الاصالة والمعاصرة لانتخابات 23 شتنبر 2026

بقلم: مدير المجلة الدولية للدراسات القانونية والاستراتيجية

البريد الاليكتروني al3isami@gmail.com

تشكل البرامج الانتخابية أحد أهم مداخل تحليل الخطاب السياسي للأحزاب، ليس باعتبارها مجرد قوائم من الوعود والتدابير، وإنما بوصفها تعبيرا عن تصور معين للدولة والاقتصاد والمجتمع، وعن طبيعة المشكلات التي يعتبرها الحزب ذات أولوية، وكذلك عن الأدوات التي يقترحها لمعالجتها. ومن هذا المنظور، يكتسي البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، المقدم اليوم الثلاثاء 01 شتنبر 2026، استعدادا للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، أهمية خاصة، بالنظر إلى اتساع نطاق الوعود الاجتماعية والاقتصادية التي تضمنها، وارتباطها المباشر بالقدرة الشرائية، والعدالة الاجتماعية، والتشغيل، والصحة، والشباب، والأمازيغية.

وقد قدم الحزب برنامجه في سياق اجتماعي واقتصادي يتسم بارتفاع كلفة المعيشة، واستمرار إشكالية البطالة، ولا سيما في صفوف الشباب، وتزايد المطالب المرتبطة بجودة الخدمات العمومية. لذلك، لا يبدو البرنامج مجرد استمرار للخطاب الانتخابي التقليدي، بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن من خلال حزمة من التدابير ذات أثر مباشر على الدخل والاستهلاك والخدمات الاجتماعية.

وتنطلق هذه القراءة من فرضية أساسية مفادها أن برنامج الأصالة والمعاصرة يقوم على ثلاثة رهانات مترابطة: أولها حماية القدرة الشرائية، وثانيها توسيع شبكات الحماية والإدماج الاجتماعي، وثالثها الانتقال من معالجة البطالة إلى بناء سياسة أكثر شمولا لإدماج الشباب وخلق فرص الشغل. غير أن قوة هذه الرهانات لا تقاس فقط بجاذبيتها الانتخابية، وإنما كذلك بمدى قابليتها للتنفيذ، وبقدرتها على تحقيق التوازن بين توسيع الإنفاق الاجتماعي والحفاظ على التوازنات المالية والاقتصادية للدولة.

أولا: من القدرة الشرائية إلى إعادة تعريف الدور الاجتماعي للدولة

يضع الحزب مسألة القدرة الشرائية في صدارة برنامجه من خلال ما سماه «ميثاق القدرة الشرائية»، الذي يتضمن خمسة التزامات أساسية: إعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية، تخفيض الضريبة على الأجور، مجانية فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم، رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، وتعزيز الدعم الاجتماعي المباشر.

وتكشف هذه الإجراءات عن انتقال واضح من خطاب اقتصادي يركز على مؤشرات النمو والاستثمار إلى خطاب يجعل الأثر الاجتماعي للنمو معيارا أساسيا لتقييم السياسات العمومية. فالمشكلة، وفق هذا التصور، لا تكمن فقط في معدلات النمو أو حجم الاستثمارات، وإنما في مدى انعكاسها على الحياة اليومية للأسر.

1-   ضبط الأسواق ومحاربة الوسطاء

يطرح الحزب إعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية عبر ضبط حركة الأسواق وتفكيك شبكات الوسطاء الاحتكارية، حيث يكتسي هذا المقترح أهمية خاصة لأنه لا يتجه، في صياغته، إلى دعم استهلاك الأسر فقط، وإنما يحاول التدخل في بنية السوق نفسها.

وتكمن أهمية هذا التوجه في أن معالجة التضخم بصورة مستدامة لا يمكن أن تعتمد فقط على الدعم المباشر، إذ إن الدعم قد يخفف أثر ارتفاع الأسعار على المستهلك دون أن يعالج أسباب ارتفاعها. ولذلك فإن مكافحة الاحتكار وتحسين المنافسة وتقليص هوامش الوساطة غير المنتجة يمكن أن تمثل مدخلا أكثر استدامة.

غير أن الإشكال يكمن في مفهوم «الأسعار الطبيعية». فهذا المفهوم يحتاج إلى تحديد اقتصادي دقيق والى أسعار مرجعية: هل المقصود أسعار ما قبل موجة التضخم؟ أم الأسعار التي تعكس تكلفة الإنتاج والنقل والتوزيع وهوامش ربح معقولة؟ ومن هنا فإن نجاح هذا الالتزام يتوقف على وجود آليات دقيقة للرصد والمنافسة والشفافية، وليس فقط على تدخل إداري في تحديد الأسعار، بل هناك إشكالية تضارب المصالح التي ستقف لا محالة في وجه هذا الالتزام وستتطلب جرأة سياسية غير مسبوقة.

2-   الإصلاح الضريبي: تخفيف العبء عن الأجراء

يقترح البرنامج حصر الشرائح الضريبية على الأجور في ثلاث شرائح، مع تحديد معدل هامشي أقصى في حدود 20% وإعفاء الأجور التي تقل عن 15 ألف درهم خام.

وتحمل هذه المقاربة بعدا اجتماعيا واضحا، لأنها تستهدف توسيع الدخل الصافي للأجراء وتعزيز قدرتهم الشرائية. كما يمكن أن تساهم في تحفيز الاستهلاك الداخلي.

لكن التحليل المالي يفرض طرح سؤال أساسي: ما حجم الإيرادات الجبائية التي ستفقدها الخزينة العمومية نتيجة هذا الإصلاح؟ وهل سيعوضها ارتفاع الاستهلاك والنشاط الاقتصادي؟ أم ستحتاج الدولة إلى موارد ضريبية بديلة؟

وبالتالي، فإن تقييم المقترح لا ينبغي أن يتوقف عند مدى عدالته الاجتماعية، بل يجب أن يشمل أثره على الموارد العمومية وعلى تمويل الخدمات الاجتماعية الأخرى وعلى مصادر التمويل الأخرى التي يمكن أن تعوض هذا الإصلاح.

ثانيا: توسيع الحماية الاجتماعية

يقدم البرنامج مجموعة من التدابير التي تعكس تصورا موسعا للحماية الاجتماعية، من بينها مجانية فواتير الكهرباء الشهرية التي تقل عن 100 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، وضمان حد أدنى للدعم الاجتماعي المباشر يبلغ 1000 درهم.

وتشير هذه الإجراءات إلى رغبة في الانتقال من الدعم العام أو غير الموجه إلى سياسات أكثر استهدافا للفئات الهشة، بل أن هذا الاجراء ربما شجع عددا من الاسر على خفض الاستهلاك.

1-    مجانية الكهرباء للأسر ذات الاستهلاك المحدود

يقترح الحزب جعل الفواتير الشهرية للكهرباء التي تقل عن 100 درهم مجانية، وهو إجراء يستهدف الأسر ذات الاستهلاك المحدود، والتي يمكن أن يمثل مبلغ الفاتورة بالنسبة إليها عبئا نسبيا مرتفعا. وقد أوضح الحزب أن هذا الإجراء يستهدف خصوصا الأسر ذات الاستهلاك المنخفض، بل أن الاجراء سيساهم في خفض اسر أخرى لاستهلاكها من الكهرباء.

ومن الناحية الاجتماعية، يمكن اعتبار الإجراء مثالا على الدعم الموجه حسب الاستهلاك بدل تقديم دعم شامل يستفيد منه الأغنياء والفقراء على حد سواء.

لكن الإشكال الرئيسي يتعلق بتحديد المستفيدين وآلية تمويل الإجراء، إضافة إلى ضرورة ضمان عدم خلق تشوهات في الاستهلاك أو حوافز غير مرغوبة.

2-   رفع الحد الأدنى للمعاشات

يمثل رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم أحد أبرز الوعود ذات البعد الاجتماعي. فالبرنامج لا يتعامل مع المتقاعد فقط باعتباره مستفيدا من نظام تقاعد، بل باعتباره فئة تحتاج إلى حماية من مخاطر الفقر وتدهور القدرة الشرائية.

غير أن هذا الإجراء يطرح سؤال الاستدامة المالية، خصوصا إذا كان نطاق المستفيدين واسعا، لا سيما وأن هرم الديمغرافية يتجه نحو الشيخوخة، لذلك ينبغي أن يترافق أي رفع للمعاشات مع دراسة لموازنة أنظمة التقاعد، وتحديد مصادر التمويل وآفاقها.

3-   رفع الدعم الاجتماعي المباشر

أما ضمان حد أدنى للدعم الاجتماعي المباشر بقيمة 1000 درهم شهريا، فيمثل خطوة باتجاه توسيع التحويلات النقدية المباشرة.

وتكمن قوة هذا الخيار في أنه أكثر استهدافا من الدعم غير المباشر، إذ يصل الدعم إلى الأسرة بدل توزيعه عبر أسعار منخفضة يستفيد منها جميع المستهلكين.

لكن نجاحه يظل مرتبطا بجودة السجل الاجتماعي الموحد، ودقة تحديد الفئات المستحقة، وقدرة الدولة على الحفاظ على التمويل المستدام لهذه التحويلات.

ثالثا: الشباب من موضوع اجتماعي إلى أولوية اقتصادية

من أكثر جوانب البرنامج دلالة انتقاله من مجرد الحديث عن البطالة إلى تبني مفهوم الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للشباب.

ويقترح الحزب منصة «مسار إدماج» لربط الشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل بفرص التكوين والتأهيل والعمل، إلى جانب برنامج «أول عقد شغل» الذي يستهدف تمكين 500 ألف شاب من أول تجربة مهنية خلال خمس سنوات. وتظهر التغطية المنشورة للبرنامج أن الحزب يتصور مسارا مندمجا يشمل التوجيه والتكوين والتأهيل ثم الإدماج المهني.

1-   مسار إدماج: منطق السياسة العمومية المندمجة

تكتسي فكرة «مسار إدماج» أهمية خاصة لأنها تتجاوز تعدد البرامج المنفصلة، وتسعى إلى بناء مسار موحد للشاب يبدأ بالتشخيص والتوجيه وينتهي بالتكوين أو العمل أو العودة إلى الدراسة أو إنشاء مشروع.

وتكمن القيمة السياسية لهذا المقترح في الاعتراف بأن البطالة الشبابية ليست مشكلة نقص في الوظائف فقط، بل هي كذلك مشكلة عدم تطابق بين المهارات وحاجيات الاقتصاد الوطني، وضعف التوجيه، والانقطاع عن الدراسة في سن مبكرة، وصعوبة الانتقال من التكوين إلى العمل.

غير أن نجاح المنصة لن يتوقف على الجانب الرقمي وحده، فالمنصة قد تصبح مجرد قاعدة بيانات إذا لم ترتبط بقدرات حقيقية للتكوين، وبعرض فعلي من المقاولات، وبموارد مالية ومؤسساتية للمواكبة.

2-   أول عقد شغل: دعم الانتقال إلى سوق العمل

يقترح الحزب برنامج «أول عقد شغل» لفائدة 500 ألف شاب خلال خمس سنوات، مع مساهمة مؤقتة وتنازلية من الدولة في جزء من كلفة التشغيل الأول، وربط جزء من الدعم باستمرار الشاب داخل المقاولة.

ويمثل هذا المقترح معالجة لمشكلة معروفة في سوق العمل، تتمثل في فخ الخبرة الأولى: فالشاب يحتاج إلى الخبرة للحصول على وظيفة، لكنه يحتاج إلى وظيفة لكي يحصل على الخبرة.

وتبدو فكرة الدعم المؤقت أفضل من الدعم المفتوح، لأنها تجعل تدخل الدولة آلية انتقالية لا بديلًا دائمًا عن الأجر الذي ينبغي أن تتحمله المقاولة.

ومع ذلك، تظل هناك مخاطر تتعلق بإمكانية استفادة بعض المقاولات من الدعم دون خلق وظائف مستدامة. ولهذا فإن ربط الدعم باستمرارية التشغيل، كما يقترح البرنامج، يمثل عنصرا مهما في تصميم السياسة.

رابعا: التشغيل كمؤشر مركزي على نجاح البرنامج

يعد وعد خلق مليون منصب شغل صاف خلال خمس سنوات وخفض البطالة إلى 7% بحلول 2031 من أكثر أهداف البرنامج طموحا. وقد حدد الحزب هدفا لا يقل عن 200 ألف منصب شغل صاف سنويا.

وتزداد أهمية هذا الالتزام بالنظر إلى أن الحزب نفسه جزء من الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها، الأمر الذي يجعل البرنامج الجديد قابلا للقراءة أيضا باعتباره محاولة لتقديم تصحيح سياسي واقتصادي لحصيلة المرحلة السابقة.

وتشير المعطيات المنشورة حول البرنامج إلى توزيع الوظائف المستهدفة على قطاعات مختلفة، منها الصناعة والخدمات والفلاحة والرياضة والأنشطة المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع الاقتصاد المغربي خلق مليون وظيفة صافية في خمس سنوات، أم أن الرقم يعكس في جزء منه تأثير الاستثمارات الاستثنائية المرتبطة بكأس العالم؟

فالاعتماد على الاستثمارات الكبرى والبنيات التحتية يمكن أن يولد وظائف مهمة، لكنه لا يضمن بالضرورة استمرارها بعد انتهاء المشاريع. لذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الاستثمار الظرفي إلى قدرة إنتاجية دائمة.

ومن هذه الزاوية، فإن الهدف الأكثر أهمية ليس عدد الوظائف المعلن عنها فقط، بل نوعيتها واستدامتها وإنتاجيتها وأجورها ومدى مساهمتها في رفع معدل النشاط، وخاصة لدى النساء والشباب.

خامسا: الصحة العمومية وإعادة الاعتبار للخدمة العمومية

يطرح البرنامج تطوير مستشفى عمومي تنافسي، وتعميم التغطية الصحية بنسبة 100%، وإصلاح المراكز الصحية ذات الأولوية والمستشفيات العمومية.

ويمثل هذا المحور استمرارا لمنطق توسيع الحماية الاجتماعية، لكنه ينتقل من الدعم النقدي إلى الخدمة العمومية المباشرة.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن التغطية الصحية لا تعني بالضرورة تحقيق العدالة الصحية. فامتلاك المواطن للتغطية لا يكفي إذا كان يواجه نقصا في الأطباء أو طولا في آجال الانتظار أو ضعفا في التجهيزات أو تفاوتا كبيرا بين المجالين الحضري والقروي.

ومن ثم، فإن «التغطية الصحية بنسبة 100%» ينبغي ألا تقاس فقط بنسبة المسجلين في منظومة التأمين، وإنما كذلك بمدى قدرتهم الفعلية على الوصول إلى خدمة صحية ذات جودة.

وهنا تبرز فكرة «المستشفى العمومي التنافسي» باعتبارها محاولة للانتقال من منطق التغطية إلى منطق جودة الخدمة العمومية.

سادسا: الأمازيغية بين الالتزام الدستوري والتفعيل المؤسساتي

يتضمن البرنامج كذلك تسريع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية من خلال تأسيس صندوق دعم وتفعيل اللجنة الوزارية المباشرة تحت سلطة رئيس الحكومة.

وتختلف هذه النقطة عن باقي الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية في كونها ترتبط أساسا بالسياسة اللغوية والثقافية وبالتفعيل المؤسساتي لمقتضى دستوري.

وتكمن أهمية المقترح في محاولة الانتقال من الاعتراف الرسمي بالأمازيغية إلى توفير آليات مالية ومؤسساتية لتفعيل هذا الاعتراف في الإدارة والتعليم والصحة والإعلام وغيرها.

لكن التحدي هنا هو أن التمويل، رغم أهميته، لا يمثل وحده ضمانة للتفعيل. فالسياسة اللغوية تحتاج أيضا إلى تكوين الموارد البشرية، وإنتاج المحتوى، وتوحيد آليات الاستعمال الإداري، وتحديد مؤشرات قابلة للقياس لتقييم التقدم.

سابعا: التوتر بين سخاء الوعود ومتطلبات التمويل

إذا كانت الإجراءات العشرة تبدو متماسكة من حيث استهدافها للقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية والتشغيل، فإن السؤال الأصعب يتمثل في الكلفة المالية الإجمالية.

فنحن أمام مجموعة من الالتزامات التي تتطلب، كل واحدة منها، موارد مالية مهمة: تخفيض الضرائب يعني تقليص جزء من الإيرادات، ورفع المعاشات يعني زيادة النفقات، والدعم المباشر يتطلب موارد مستمرة، ومجانية الكهرباء تحتاج إلى تمويل، وإصلاح الصحة العمومية يتطلب استثمارات ونفقات تسيير، وبرامج التشغيل تتطلب دعما عموميا.

وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للبرنامج لا يتمثل في مدى جاذبية إجراءاته منفردة، وإنما في مدى انسجامها داخل نموذج مالي واحد يقوم الالتقائية بين خيارات النفقات والارادات.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى أن يتضمن أي تقييم أكاديمي للبرنامج ثلاثة مؤشرات أساسية:

·       الكلفة المالية السنوية لكل التزام.

·       مصدر التمويل المقترح لكل إجراء.

·       الأثر المتوقع على العجز والمديونية والنمو والتشغيل.

كما ينبغي التمييز بين الإنفاق الذي يخلق قدرة إنتاجية جديدة، مثل الاستثمار في البنية التحتية والتكوين، والإنفاق التحويلي الذي يرفع دخل الأسر مباشرة.

ثامنا: قراءة سياسية للبرنامج

بعيدا عن التفاصيل التقنية، يمكن قراءة البرنامج باعتباره محاولة لإعادة بناء صورة الحزب حول مفهوم الدولة الاجتماعية الفعالة.

فالإجراءات المقترحة تجمع بين ثلاثة مستويات:

  • المواطن كمستهلك: من خلال خفض الأسعار والضرائب ودعم الكهرباء.
  • المواطن كمستفيد من الحماية الاجتماعية: من خلال المعاش والدعم المباشر والصحة.
  • المواطن كفاعل اقتصادي: من خلال التكوين والتشغيل وإدماج الشباب.

وبذلك يسعى البرنامج إلى تجاوز الفصل التقليدي بين السياسة الاقتصادية والسياسة الاجتماعية، من خلال تقديم تصور يرى أن القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والحماية الاجتماعية عناصر مترابطة ضمن عقد اجتماعي جديد.

غير أن هذا التصور يضع الحزب أمام مفارقة سياسية مهمة: فالأصالة والمعاصرة كان جزءا من الأغلبية الحكومية السابقة، وبالتالي فإن بعض الوعود الجديدة لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها برنامجا للمستقبل، وإنما أيضا باعتبارها مراجعة ضمنية لبعض اختيارات المرحلة السابقة، في شكل نقد ذاتي واستثمار لأول تجربة له في الحكومة.

ومن ثم، فإن السؤال السياسي المركزي يصبح: هل يقدم البرنامج قطيعة فعلية مع السياسات السابقة، أم يمثل إعادة ترتيب لأولوياتها وتوسيعا لمداها؟

خاتمة

تكشف القراءة التحليلية للإجراءات العشرة عن برنامج يقوم على إعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي للسياسة العمومية، مع التركيز على القدرة الشرائية والتشغيل والشباب والحماية الاجتماعية والخدمات العمومية.

وتتمثل إحدى نقاط قوة البرنامج في أنه يحول عددا من القضايا الكبرى إلى أهداف كمية قابلة للقياس، مثل 3000 درهم كحد أدنى للمعاش، و1000 درهم كحد أدنى للدعم، و500 ألف مستفيد من «أول عقد شغل»، ومليون منصب شغل، وخفض البطالة إلى 7% في أفق 2031.

غير أن الهدف الكمي لا يمثل في حد ذاته ضمانة للنجاح. فالمعيار الحقيقي سيكون قدرة الحزب، في حال توليه مسؤولية تنفيذ هذه الالتزامات، على تحويل الأرقام إلى سياسات عمومية قابلة للتمويل والتنفيذ والتقييم.

وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للبرنامج لا تكمن فقط في سؤال: «ماذا وعد الحزب؟»، وإنما في أسئلة أكثر عمقا: كيف سيمول هذه الوعود؟ ما المؤسسات التي ستنفذها؟ ما الجدول الزمني لتحقيقها؟ وما مؤشرات قياس النجاح؟ ومن سيتحمل كلفة عدم تحقيقها؟ وهل سيتحمل الحزب جميع الحقائب الوزارية؟ وكيف سيقنع حلفائه في الحكومة بتبني برنامجه أم ستكون هناك مراجعة وتكييف مع برامج الأحزاب الأخرى؟

ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار البرنامج الانتخابي للأصالة والمعاصرة محاولة للانتقال من خطاب انتخابي قائم على الوعود العامة إلى خطاب أكثر ارتباطا بالأهداف الرقمية، غير أن نجاح هذا الانتقال سيظل رهينا بوجود نموذج اقتصادي ومالي واضح يربط بين العدالة الاجتماعية، والنمو، والتشغيل، والاستدامة المالية للدولة.

]]>

ليست هناك تعليقات