دور الميزانية في تحقيق التقائية برامج الجماعات الترابية: مقاربة تحليلية ]]>
دور الميزانية في تحقيق التقائية برامج الجماعات الترابية: مقاربة تحليلية
العثماني العاقل: دكتوراه في السياسات العمومية
تُعد الميزانية أداة محورية في تدبير الشأن العام المحلي، إذ لا يقتصر دورها على ضمان السير العادي للمرافق والخدمات التي تقدمها الجماعات الترابية، بل تمتد وظيفتها لتشمل المساهمة الفعلية في تحقيق التنمية المحلية، حيث تجسد الترجمة المالية للاختيارات التنموية والبرامج الترابية، وتُشكل إطارا مرجعيا لتوجيه الموارد نحو الأولويات المجالية والاجتماعية، بما يعزز النجاعة في التدبير ويُكرس الحكامة الترابية بناء على تقاطعات محورية تجسد صورة مثلى للالتقائية بين برامج الجماعات الترابية بمستوياتها الثلاث والبرامج الوطنية وتدخلات الهيئات والمؤسسات المعنية، حيث تكتسي هذه الوظيفة أهمية بالغة في ظل الحاجة إلى تنسيق الجهود وتكاملها بين مختلف الفاعلين الترابيين، فالميزانية تمثل الوثيقة التي يقدر ويؤذن بموجبها، بالنسبة لكل سنة مالية، مجموع موارد وتكاليف الجهة[1]
والجماعات الترابية الأخرى، حيث يتم تقييم صدقية هذه الموارد والتكاليف بناء على
المعطيات المتوفرة خلال إعدادها والتوقعات التي يمكن أن تنتج عنها، فتحقيق التنمية وفق مقاربة مندمجة، لا يتم إلا من خلال آليات ناجعة للتدبير المالي، تكون
منسجمة مع حاجيات المواطنين اليومية وأكثر تطلعا لمتطلباتهم، لا سيما في ظل اتساع الفوارق المجالية وصعوبة تقليصها بفعل ضعف
الموارد المالية المرصودة، والآليات التي تسمح بالوصول لتحقيق الأهداف المرجوة.
وفي هذا السياق، ورغم الجهود
المبذولة لتعبئة اعتمادات مالية مهمة، فإن تأثيرها لا يزال محدودا في تجاوز عدد من
المؤشرات السلبية، لاسيما تلك المرتبطة بمعدلات الفقر والبطالة، وكذا في تحسين
ولوج الساكنة إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية، مثل الصحة والتعليم، وضمان الحد
الأدنى من الاستقرار في الوسط القروي على وجه الخصوص، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية
حول مدى فعالية المقاربة الميزانياتية المعتمدة، وقدرتها على تحقيق الأهداف
التنموية المعلنة، لا سيما في ظل تداخل الاختصاصات واستمرارية الوظيفة التدخلية
للدولة المركزية في مختلف أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية المحلية مع تسجيل
صعوبات في نهج الالتقائية بين البرامج المحلية والبرامج الوطنية.
ان اعتماد منطق الميزانية
المبنية على النتائج، بدل الاقتصار على منطق التصريف التقليدي للنفقات، يسمح
بتوجيه الموارد نحو الأهداف ذات الأولوية والوقع المباشر على حياة المواطنين، مما
سيسهم في تعزيز الشفافية، وتحسين آليات التتبع والتقييم، وضمان التناسق بين
البرامج والمشاريع، بما يُمكن الجماعات الترابية من لعب أدوارها التنموية بكفاءة
ونجاعة، في انسجام مع التوجهات الوطنية الكبرى، لا سيما في ظل خيار الجهوية
المتقدمة، حيث تحتاج الجهات إلى مرونة أكبر في التصرف في ميزانيتها، بما يسهل الإدماج الأفقي القبلي للاعتمادات المخصَّصة للبرامج والمشاريع والأعمال التي تتدخل فيها قطاعات عديدة[2]،
فحكامة التدبير الميزانياتي وخلق موارد مالية إضافية عبر المساهمة في انجاز مشاريع
استثمارية واحصاء الوعاء العقاري وضبطه وتقنينه وفق آليات وضوابط شفافة تحقق
العدالة الجبائية من جهة ومن جهة أخرى تضمن المساهمة الفعلية للمواطنين على قدم
المساواة في تحمل التكاليف العمومية، كل هذه الإجراءات وأخرى يمكنها دعم حكامة
التدبير المالي للجماعات الترابية.

التعليقات على الموضوع