Header Ads

الوجه الأخر للحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين عقب اعتقال الرئيسي الفنزويلي ]]>

الوجه الأخر للحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين عقب اعتقال الرئيسي الفنزويلي

يشهد النظام الدولي المعاصر تحولات سياسية واقتصادية عميقة تعكس تصاعد حدة الصراع بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والصين، حيث لم تعد المواجهة بينهما تأخذ طابع الحرب التقليدية المباشرة، بل باتت تتجسد في أشكال أكثر تعقيدا وتشابكا، أبرزها الصراع الجيوسياسي–الاقتصادي، حيث يكتسب حدث اعتقال الرئيس الفنزويلي من طرف الولايات المتحدة الأمريكية أهمية خاصة، لا بوصفه أزمة داخلية أو ثنائية معزولة، بل باعتباره حلقة ضمن سلسلة من التفاعلات الدولية التي تعكس الوجه الآخر للحرب غير المعلنة بين واشنطن وبكين.

ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن التصعيد الأمريكي تجاه فنزويلا يتجاوز الاعتبارات المعلنة المرتبطة بمكافحة المخدرات أو الجريمة المنظمة، ليُفهم في إطار أوسع مرتبط بموقع فنزويلا في خريطة التحالفات الدولية، لاسيما علاقتها الاستراتيجية بالصين. ومن ثم، يسعى المقال إلى تحليل أبعاد هذا الحدث باعتباره تجليا من تجليات الصراع الجيوسياسي الاقتصادي بين القوتين العظميين، حيث تتحول دول الأطراف الثالثة إلى ساحات تنافس غير مباشر، تُدار فيها معارك النفوذ والهيمنة باستخدام أدوات اقتصادية، وتكنولوجية، وسياسية، بدلا من المواجهة العسكرية المباشرة.

وفي هذا السياق، وقبل ساعات قليلة من الحديث عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كان الأخير يعقد اجتماعا مهما مع وفد صيني رفيع المستوى، لاعتبارات تدخل ضمن توجهات السياسة العامة للبلدين، والأكيد طبعا أن أزمته مع الولايات المتحدة الأمريكية كانت على رأس النقط المدرجة بجدول هذا الاجتماع، وهو الأمر الذي لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية الا تكن على علم بتفاصيله، وأن تكون بصدد البحث عن صيغة مناسبة للرد، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المباشرة أو غير المباشرة.

لكن تزامن هذا الاجتماع الرفيع المستوى من تزايد مستوى التوتر بين فنزيلا والولايات المتحدة الأمريكية في ظل المهلة التي حددها ترامب للرئيس نيكولاس مادورو لتسليم السلطة ومغادرة البلاد، جعلت الولايات المتحدة تختار هذا التوقيت الدقيق لتنفيذ وعيدها بإزاحة نيكولاس مادورو من السلطة وارسال رسائل في كل الاتجاهات ولكل من يهمه الأمر حول سياساتها الخارجية القائمة على الحزم في القضايا التي تعتبرها مصيرية.

هذا المعطى لا يمكن فصله عن السياق الدولي الأوسع للأزمة، إذ يشير إلى أن أزمة الولايات المتحدة الأمريكية مع فنزويلا لا تقتصر على ذرائع المخدرات أو المافيا أو انتهاكات القانون، بل تتجاوز ذلك لتندرج ضمن إطار أشمل يتمثل في الصراع الاقتصادي الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، حيث أن ففنزويلا، بوصفها حليفا اقتصاديا وسياسيا لبكين، تصبح واحدة من الساحات غير المباشرة للصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، والذي يعتبر فصل اخر من فصول مسلسل طويل بدأت تتسارع فصوله خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد عودة دونالد ترامب الى السلطة، إذ يتخذ هذا الصراع في كل مرحلة شكل أزمة جديدة، تارة في صورة صراع تكنولوجي كما في قضية هواوي، وتارة أخرى عبر أزمة الرسوم الجمركية، أو من خلال التنافس في مجال الذكاء الاصطناعي وتأثيره في الاقتصاد العالمي، إضافة إلى حظر التكنولوجيا الأمريكية على الشركات الصينية، وأزمة حظر تطبيقات مثل تيك توك، فضلا عن قضايا الأمن السيبراني، إضافة الى ازمة الحرب الباكستانية والهندية مرورا بعدد من ساحات الصراع الأخرى عبر مختلف أنحاء العالم.

إن أزمة اعتقال الرئيس الفنزويلي ليست سوى مشهد من مشاهد صراع تكسير العظام بين قوتين اقتصاديتين عالميتين وعضوين دائمين في مجلس الأمن، تمتلكان من النفوذ الاقتصادي والبشري والعسكري ما يجعلهما خصمين يتجنبان المواجهة المباشرة تجنبا لحرب كونية. ولذلك، يلجأ كل طرف إلى تصريف صراعه مع الآخر عبر ساحات بديلة، مستخدما أدوات غير مباشرة تتراوح بين الضغوط الاقتصادية، والحروب التكنولوجية، والتجاذبات السياسية، بما يحول دولا بعينها إلى مسارح لهذا الصراع الدولي المعقد، ويجعل المستقبل القريب مفتوح على كل السيناريوهات.

 


]]>

ليست هناك تعليقات